عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
34
مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب ( ويليه سر الأسرار في كشف الأنوار للغزالي )
الحكمة الإلهية ، ويتأكد ذلك بملازمة الصحبة وطول العشرة واستماع الأشعار المرقّقة للطبع التي تدرك فيها شمائل المحبوب وتدقيق الفكر في معانيها اللطيفة . واعلم أن أصل التآلف التعارف الأزلي في عالم الغيب ، فمن تحققت نسبته هنالك ظهرت هنا ، إذ العالم الأسفل ظلّ للعالم الأعلى ، وهذه الأشباح أمثلة لتلك الأرواح ، فما من صورة في عالم الشهادة إلا وهي مثال لذات روحانية من عالم الغيب ، فإذا تحرّكت تلك الحقيقة هنالك لزم أن يتحرّك مثالها هنا ، كما أن الظلّ تابع للشخص في حركته وسكونه ، فالتعارف هنا ثمرة ما هنالك : [ من الكامل ] بيني وبينك ذمّة مرعيّة * بدأت هناك وكان آخرها هنا وهذه الألفة تكون عموما وخصوصا : أما العموم فهي نسبة تؤلّف جميع الموجودات لاشتراكها كلها في نور الوجود المشرق عليها من موجدها : [ من الطويل ] خلقت ألوفا لو رجعت إلى الصبى * لفارقت شيبي موجع القلب باكيا « 1 » وأما الخصوص فهي التي يوجبها الاشتراك في أخصّ وصف الإنسان وهي المعرفة المعبّر عنها بالإيمان المنتج للمحبة الحاصلة عن النور التامّ ، ولهذا كان المؤمنون بهذا الاشتراك الخاصّ كالجسد الواحد الذي إذا اشتكى منه عضو اشتكى سائره ، إذ السرّ القائم بهم واحد فهم شيء واحد بذلك الاعتبار . [ الخلّة ] فصل : فأمّا مقام الخلّة فمعناها تخلّل شمائل المحبوب روحانية المحب حتى تتكيّف بها النفس والروح وسائر الجملة الإنسانية فتتحرك أعضاء المحب عن إرادة المحبوب المتحرك بها القلب فتستحيل المخالفة ، كما قيل : [ من الخفيف ] وتخلّلت مسلك الروح مني * ولذا سمّي الخليل خليلا فإذا ما نطقت كنت حديثي * وإذا ما سكتّ كنت الغليلا « 2 »
--> ( 1 ) هذا البيت هو للمتنبي وقد سبقت الإشارة إليه من قصيدة طويلة له مطلعها : كفى بك داء أن ترى الموت شافيا * وحسب المنايا أن يكنّ أمانيا ( 2 ) هذان البيتان هما لأبي بكر الشبلي ، دلف بن جحدر ( 247 - 334 ه ) .